أحدث مقال

إعادة تأهيل منزل قديم بالقاهرة لخدمة المجتمع

المنزلان رقم 5 و7 فى درب الصُياغ كانا فى الأصل منزلا واحدا تم بناؤه على الطراز العثمانى ما بين الأعوام 1830 و1850 فى الدرب الأحمر بالقاهرة. وقبل أن يتوفى المالك بفترة قصيرة، قام بتحويل العقار إلى وقف. الكثير من غرف المنزل تحمل دلائل على أصالته، بالذات الأسقف الخشبية المزدانة بالنقوش العثمانية. وقد تم تقسيم المنزل إلى منزلين فى الفترة 1870-1880 وفتحت به بوابة أخرى على الشارع. وفى أوائل القرن العشرين، تمت إضافة طابقين آخرين وأعيد تقسيم المنزل لسكنى عدد أكبر من الأسر. وقد استخدم المنزل كعقار سكنى حتى سبعينات القرن الماضى، وبعد ذلك تمت إزالة الطابق العلوى وظل الطابقين السفليين يستخدمان كورش وأماكن تخزين للمنتجات الجلدية. والآن فإن عناصر المبنى الأصلية قد عانت من التدهور بسبب نقص الصيانة. فقد اختفت الأسقف الخشبية مثلا وراء مساحات التخزين، كما أن النوافذ الخشبية تم استبدالها بشيش من النوع الردىء. أما الحلى التى تحيط بالأبواب ققد ساءت حالتها بشدة، وظهرت فى الجدران شقوق إنشائية عديدة.



والآن فإن المبنى يعانى من التدهور من جوانب عدة ولا يتطابق استخدامه مع قيمته او النواحى الجمالية به. وبسبب موقعه المركزى فى حى الدرب الأحمر، فإن “مؤسسة الأغاخان للثقافة” قررت ضمه إلى خططها التنموية فى الحى بأكمله.


وصف المشروع
تقوم خطط “الأغاخان” لتنمية الدرب الأحمر على الحفاظ على المبانى التراثية من خلال تعديلها لاستخدامات بديلة. ويعتبر الاستخدام المعدل للبمانى التاريخية أحد الطرق الرامية للحفاظ على التراث، حيث لا يتضمن فقط تغيير وظيفة المبنى من أجل توليد عائد كاف لصيانته، بل إنه أيضا يساعد على تحسين الحالة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للمجتمع المحلى المحيط. وكانت الخطوة الأولى التى قامت بها “الأغاخان” هى تعويض المقيمين فى المنزل مقابل مغادرتهم له. تلت ذلك إزالة الإنشاءات الدخيلة والإضافات غير الأصلية من أجل الكشف عن النسيج الأصلى له. وقد توقف المشروع عند هذه المرحلة انتظارا لخطط التجديد.



وقد شرعت “الأغاخان” فى الاتصال بالمساهمين المحتملين فى المشروع من المجتمع المحلى والأكاديميين والمسؤولين الحكوميين من أجل العمل بشكل فعال على المشروع. وفى لمسة من التعاون المشترك ما بين “الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحرى” و”مؤسسة الأغاخان للثقافة” فى مصر، تم تقديم مقترحات لإعادة الاستخدام من قبل طلاب الماجستير فى التصميم فى قسم الهندسة المعمارية والتصميم البيئى. وكانت الأسئلة الرئيسية التى تم طرحها هى: كيف يمكنك أن تجعل السكان المحليين يدخلون المبنى ويتعرفون على تراثهم؟ كيف تقوم بتحقيق أكبر المزايا الاقتصادية والثقافية بشكل مباشر وفى خلال قيامك مساعدة المجتمع المحلى؟ وكيف تحقق كل من الأهداف السابقة مع دعوة الناس من خارج الدرب الأحمر للمساهمة فى عملية تطوير المبنى؟.



خلال فترة البحث، قام فريق التصميم بدراسة ما يحدث فى منطقة المبنى، حيث لاحظ أن هناك أكثر من 60 منظمة غير حكومية فى الدرب الأحمر. أكثر من 15 منظمة غير حكومية كانت تنشط فى المجالات الاجتماعية، وبعض تلك المنظمات كانت تستهدف تقديم خدمات بسعر رخيص – مثل الإسكان والصحة – لأهالى الحى، بينما كان البعض الآخر عبارة عن منظمات انتاجية (تصنع منتجات مثل الجلود والمنسوجات والهدايا التذكارية) أو تعمل فى المجالين فى الوقت ذاته. بعد مقابلة الكثير من مجالس المنظمات غير الحكومية، لوحظ أن معظم تلك المنظمات تشكو من نقص الأماكن التى يمكنهم العمل بها، حيث كانت تلك المنظمات تبحث عن مساحات تقيم فيها ورشها وتعقد بها اجتماعاتها وحلقاتها الدراسية والتدريبية وأيضا معارض تبيع فيها منتجاتها. بالإضافة إلى هذا، أتضح أن تلك المنظمات ليس لديها القدرة على ترويج أنشطتها ومنتجاتها خارج المدينة القديمة. لذا تم التخطيط لنشاط جديد هو “المركز الاجتماعى”، يتضمن تحويل المبنى إلى وحدات متعددة للإيجار للمنظمات غير الحكومية. وسوف يتم تأجير أماكن مجهزة يمكن استخدامها فى مختلف الأنشطة. بالإضافة إلى هذا، فإن “الفناء الغربى” سوف يتم تحويله إلى “مقهى” محلى بغرض التأجير.



الفكرة هنا هى أن المجتمع المحلى سوف يتمكن من استخدام مساحات المبنى فى الاجتماعات والتعلم والتفكير والانتاج. فى مثل هذا المشروع، هناك ثلاثة جوانب يمكنها أن تضمن استدامته، وهى الجانب البيئى والجانب الاجتماعى-الثقافى والجانب الاقتصادى.

الفوائد البيئية التى يتضمنها تعديل مبنى تراثى لإعادة الاستخدام تتلخص فى توفير الطاقة من خلال “إعادة تدوير” المبنى. من خلال تعديل المبنى بشكل يسمح بإعادة الاستخدام، يتم توفير الطاقة والمواد والقوى العاملة اللازمة لإنشاء مبنى جديد، وبهذا فإن تعديل هذا المبنى وإعادة استخدامه يفيد الجوانب البيئية فى مدينة القاهرة. وفى وسع مشروعات التعديل وإعادة الاستخدام لمبان تراثية أن تؤدى إلى تحسين ظروف البيئة فى الأحياء التاريخية. أما زيادة القيمة الإيجارية والنواحى الجمالية التى يتضمنها تطوير هيكل قديم فهى عادة ما تشجع أعضاء المجتمع المحلى المحيط بالقيام بنفس الشىء وبتجديد مبانيهم المتدهورة من أجل تحسين أوضاعهم بشكل عام.



يمكن للمبانى التراثية أن تلعب دورا معينا فى الحى أو المدينة كلها، من جهة أن الأهالى قد يحسون بالتعلق بها بشكل أو بآخر. البعض يسمى تلك العلاقة فخرا أو هوية … وهى كلها أمور تدعم “الإحساس بالمكان”. فالقيمة الكبرى التى يحملها الطوب والمونة القديمة هى فى تلك العلاقات مع البشر. يهدف مشروع تطوير المبنى 5 و7 فى درب الصياغ إلى إبراز تلك العلاقات من أجل تحقيق نتائج مستدامة على المستوى الاجتماعى والاقتصادى. وأكبر المكاسب الاجتماعية والاقتصادية فى إعادة استخدام المبنى كمركز اجتماعى هى من خلال تفاعل الناس معه وبداخله. بما أن المبانى هى مرآة للناس الذين يعيشون فيها، فإن التفاعل مع المبانى الكلاسيكية يعطى الناس فرصة للتعرف على الطريقة التى عاش بها أجدادهم ونوعية الحياة التى جعلتهم يبنون مبانيهم على هذا النحو.

بالإضافة إلى هذا، فإنه من خلال تأجير تلك المساحات للتدريب الحرفى والمحاضرات، فإن المبنى سوف يساعد على ربط الناس بالنماذج الثقافية والاقتصادية الموجودة فى هذا الحى التراثى بالقاهرة. فى الماضى كان الدرب الأحمر مركزا لصناعة المنتجات الجلدية فى القاهرة. هذا الأمر لا يعنى هذا ضرورة إحياء تلك الصناعة من جديد، وإنما يعنى ضرورة إحياء ذكرى تلك الصناعة من خلال التأكيد على أهميتها فى حياة الأجيال السابقة التى عاشت وعملت فى هذا الحى. تلك العلاقة بين الناس والمبنى قد تؤدى إلى زيادة الوعى بالقيم الاجتماعية والثقافية وتساعد على الحفاظ على الهوية للأجيال القادمة.



أما عن الاستدامة الاقتصادية، فإن البرنامج قد تم تطويره على أساس إقامة شركة خاصة لإدارة المشروع تتولى ترتيبات التأجير وتقديم المعدات والعمالة المساعدة والخدمات الأمن والنشر والتجارة والصيانة، بالإضافة إلى الإدارة العامة، مع العلم بأن إدارة هذا المكان ليست بالأمر الهين. وسوف تقوم الشركة الخاصة بتحديث بيانات المنظمات غير الحكومية العاملة بالمكان على نحو منتظم، وذلك من أجل أن تتخذ قرارات صائبة حول التأجير لمنظمات معينة تقوم بالفعل بسد حاجات المجتمع وتتمتع بالسمعة الحسنة. ويعد التنافس بين المنظمات غير الحكومية أمرا ضروريا من أجل زيادة قيمة الأماكن المؤجرة وأيضا ضمان استمرار الطلب على تلك الأماكن. كما أن “المقهى” يمكنه أن يساعد على جذب السكان المحليين إلى المبنى. ولكن لابد من بذل مجهود أكبر فى النشر، لذا فإن تلك الشركة سوف تعمل على تسويق نفسها بصفتها مساحة عرض للمنتجات الحرفية لمن يعيشون خارج محيط الأحياء التاريخية. والربح الذى تولده الشركة سوف يعتمد أساسا على مصدرين: الإيجارات وجزء من عائد بيع المنتجات المعروضة.

تنقسم المساحات التى يتم تأجيرها إلى نوعين رئيسيين: مساحات تخصص للمعارض والورش، ومساحة “المقهى”. وسوف يستخدم العائد الاقتصادى فى تمويل أعمال الصيانة وسد تكاليف إدارة المشروع، بالإضافة إلى تحقيق هامش ربح للشركة التى تدير المكان. وبهذا فإن على الشركة أن تتأكد من أن المبنى بأكمله يتبع معايير تمكنه من تحقيق هدفين متزامنين، هما جذب الزبائن وتبرير القيمة الإيجارية المطلوبة.



خلاصة مقتضبة
للأسف الشديد، فإنه بعد أن قامت “الأغاخان” بإنهاء مشاريعها فى مصر بسبب المشاكل الأمنية التى أعقبت الثورة المصرية فى الفترة 2011-2012، تم الاستيلاء على المبنى حيث يستخدم فناؤه حاليا كاسطبل للخيول بينما تحولت مساحاته الداخلية إلى ورش وأماكن تخزين.

والحقيقة هى أنه إلى جانب هذا المبنى، هناك الكثير من المبانى التراثية فى القاهرة التاريخية ليست مستغلة تماما أو بالمرة، أو يساء استخدامها، وهى تعانى من التعديات غير الرسمية والإهمال. وليس هناك حتى أى توثيق شامل متاح لتلك الأبنية التراثية التى لا تعتبر أبنية تاريخية فى مصر. وأوضحت الأحداث الأخيرة فى مصر أن محاولات التدخل التراثية غير الشاملة قد فشلت فى ظروف عدم الاستقرار الحالية. تلك المبانى لها قيمة بالغة فى التنمية العمرانية ويجب إدماجها فى خطط عمرانية مفصلة للتخطيط العمرانى وخرائط استخدام المساحات. والأهم من هذا أنها يجب أن تحظى بدعم المجتمع المحيط بها. والاستمرار فى اهمال المبانى التراثية هو أمر يهدد بفقدان فرصة عظيمة للإرتقاء بالبيئة العمرانية المتدهورة وتنمية المجتمعات المهمشة والمحرومة والتى يعيش فيها الكثير من السكان.

فريق العمل
فريق العمل من الاكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري: محمد مبارك، كريم سمير، معتز عزيز، إيمان اللواء، وليد شحاتة
نشرت أول مرة بموقع “مشاهد القاهرة“

منشورات ذات صلةإعادة الاستخدام التكيفيإعادة التأهيلالتراث العمرانيالقاهرةالمباني التراثيةالمدن التاريخيةالمدن القديمةمؤسسة الأغاخان للثقافةمصروظيفة المبنىبـــنــاة - العمارة والبناء قد يعجبك أيضاً ...أنفاق الكيان الصهيوني لعزل فلسطينيي القدسحمزة نمرة – أغنيه “اسمعني”“مصر للاسكان” يقتل أحلام الشباب ويشعل أسعارالعقارات في مصر
أحدث مقال

السحيمي.. تحفة معمارية يقف على أعتابها التاريخ

بيت السحيمي واحد من أغرب البيوت في مصر فهو بيت عربي يقع في مدينة القاهرة في الدرب الأصفر الذي يتفرع من شارع المعز لدين الله. للبيت قسمان، القسم القبلي وهو الأقدم، بناه الشيخ عبدالوهاب الطبلاوي عام 1648م، والقسم البحري بناه الحاج إسماعيل شلبي عام 1699م وقد جعل من الجزأين بيتا واحدا.

للبيت صحنان، صحن أمامي بمثابة حديقة مزروعة يتوسطه ما يسمى بالتختبوش، وهو دكة خشبية زينت بأشغال من خشب الخرط، ولذلك يعد هذا المنزل مثالاً على الفن الإسلامي الرائع لبيوت الإقامة العائلية التقليدية المنتشرة في أنحاء المدينة منذ عصور المماليك وحتى القرن التاسع عشر.

سبب تسمية المنزل بالسحيمي

أما عن سبب تسمية المنزل بالسحيمي فقد سمي البيت بهذا الاسم نسبة إلى ساكنه الشيخ أحمد بن محمد السحيمي، ولقب بذلك نسبة إلى مدينة (سحيم) في مديرية الغربية، وكان له مسجد باسمه فيها، وهو الذي آلت إليه ملكية البيت قبل أن تنتقل إلى حفيده الشيخ أمين السحيمي المتوفى في يوم 8 أبريل 1928، وبعد وفاة الشيخ السحيمي اشترت الحكومة المصرية البيت بمبلغ (6000 جنيه مصري) واعتبرته أثراً إسلاميا لما يحتويه من عناصر معمارية وكتابات أثرية ليس لها مثيل، والتي امتاز بها العصر العثماني.
نكهة قاهرية
يعتبر البيت مثالا للبيوت العربية التقليدية بنكهة قاهرية، فالدخول إلى البيت يكون من خلال المجاز الذي يؤدي إلى الصحن الذي توزعت فيه أحواض زرعت بالنباتات والأشجار.
أقسام المنزل
تأثر بيت السحيمي بالعمارة العثمانية التي كانت تخصص الطابق الأرضي للرجال ويسمى السلاملك أي الاستقبال، لذا فالطابق الأرضي من البيت كله لاستقبال الضيوف من الرجال، وليس فيه أي غرف أو قاعات أخرى.
أما الطابق العلوي فكان مخصصاً للنساء، وكان يسمى الحرملك، ويتميز هذا الطابق بوجود غرف العائلة، وهي قاعات متعددة تشبه التي في الطابق الأرضي إلا أن بها شبابيك كثيرة مغطاة بالمشربيات تطل على الصحن، وبعضها على الشارع، ولكن لا يوجد إيوان في الطابق الثاني، مما يعني أن الغرف لم تكن تميز بغرف للنوم أو غيره باستثناء بعض الغرف المحددة. إحدى الغرف في الطابق الأول، القسم البحري، كسيت جدرانها بالقيشاني الأزرق المزخرف بزخارف نباتية دقيقة، وفيها أواني الطعام المصنوعة من الخزف والسيراميك الملون والمزخرف، حيث يبدو أنها كانت تستخدم لإعداد الطعام. بجوارها غرفة صغيرة جدا غير مزخرفة تستخدم للخزن.
أحدث مقال

جولة هندسية تاريخية في مبنى البرلمان الأوروبي بمدينة ستراسبورغ



جولة هندسية تاريخية في مبنى البرلمان الأوروبي بمدينة ستراسبورغ بقلم بـــنــاة - العمارة والبناء | 20 فبراير,2016 بدون تعليقات
ستراسبورغ – فاروق أبو ظهر
زيارة مقر البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ تمت بمبادرة من جان ماري كوتنر، رئيس مجلس بلدية مدينة «شيلتيغم» المجاورة، حيث اكتشفنا أن المكان هو أكثر من مركز رسمي: إنه رائعة معمارية رائدة. وقد رافقنا هذا الصديق المضياف طوال مدة الزيارة التي استمرت حوالى الثلاث ساعات، تخللتها مأدبة غداء في مطعم داخل حرم مبنى البرلمان ومخصص للضيوف.
داخل الساحة الخارجية للمبنى لوحة رخامية تذكارية مؤرخة بتاريخ 14 كانون الأول (ديسمبر) 1999، تشير إلى مناسبة افتتاح مقر البرلمان بحضور الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك ورئيس مجلس النواب الأوروبي آنذاك نيقولا فونتين.
أطلق اسم الفرنسية لويس فايس على مقر البرلمان الجديد، وهي صحافية وكاتبة وسياسية مناضلة من أجل حقوق المرأة، ومولودة في مقاطعة الألزاس.
المبنى البرلماني الحديث، الزجاجي في معظم أجزائه الخارجية، شيِّد في الحي الأوروبي من مدينة ستراسبورغ. يطل على ساحة واسعة محاطة بالأشجار، وإلى يسارها رافد من روافد نهر الراين. وذلك على مساحة 220 متراً مربعاً. يتألف من 20 طابقاً على شكل برج، ثلاثة طوابق منها تحت الأرض. ويحتوي البرج الذي بني داخله من الحجارة الحمراء المستقدمة من جبال «الفوج» على 1133 مكتباً، وقاعة نصف دائرية تتسع حالياً لسبعمائة وواحد وخمسين نائباً يمثلون 28 دولة أعضاء في الاتحاد الأوروبي، يمثلون أكثر من 500 مليون نسمة.

إبان الدورات العادية لجلسات البرلمان، يتسع المبنى لاستقبال خمسة آلاف شخص من نواب رسميين وموظفين وحراس وزوار، ويضم في أرجائه 18 قاعة مخصصة لاجتماع اللجان البرلمانية المتخصصة، تتسع كل منها إلى ما بين 50 و350 شخصاً. وتستعمل 24 لغة رسمية إبان المداولات
سيدة من دائرة الإعلام رافقتنا في جولتنا، وقد أبدت قدرة واسعة الاطلاع على كل ما رافق عملية التصميم والبناء منذ 1991.
فازت شركة استشارية فرنسية بامتياز تنفيذ مشروع البناء الأوروبي الذي صممته نخبة من المهندسين الضالعين في مجال التخطيط والتصميم والبناء، إلى جانب تعمقهم في النظريات المتعلقة خصوصاً بالأسلوب المرفولوجي (morphology Archilecte) الذي يستند إلى نظريات تتعلق بثنائية وثلاثية الأبعاد التي تأخذ بعين الاعتبار عناصر عديدة مختلفة إلا أنها مترابطة وذلك أثناء عملية التصميم والتخطيط، وأهمها التحولات التي تطرأ على أسلوب عيش الإنسان وسلوكه وثقافته وحركته، والرموز والمعتقدات التي تستهويه.
استلهم المهندسون، وبالدرجة الأولى، الحضارة الغربية وعلاقة البناء في تطورها من الطراز الكلاسيكي إلى الطراز الباروكي إلى أنماط عصر النهضة، وصولاً إلى إبداعات غاليكي الإيطالي وكيبلر الألماني، وهما الفلكيان اللذان رصدا مركزية الكون وحركة الأجرام السماوية، وانعكس تأثيرهما معمارياً على التطورات التي لحقت بمؤسسات البرلمان الأوروبي خلال فترة الخمسين سنة الماضية، والمتحولة من مركزية السلطة إلى ديموقراطية المؤسسة.
كما استوحى المخططون أسلوب بناء المسارح الرومانية قديماً، ويظهر ذلك جلياً في بناء القاعة نصف الدائرية المخصصة للنواب، والمحاطة بعدة طوابق مخصصة للزوار.
ولإعطاء المبنى الداخلي مظهراً يتناسب مع محيطه الخارجي الكثيف الأشجار، زرعت الأروقة والممرات بنوع من الشجر الطويل المتحلق.

ووسط أحد الطوابق عُرض مجسم كبير الحجم للمبنى، وفوق قبة المجسم ركزت منحوتة تمثل كاتدرائية ستراسبورغ، وكأنها إيحاء إلى مسيحية دول أوروبا. وبالقرب من المجسم وضعت منصة توزعت عليها أعلام محاطة بالعلم الأوروبي الأزرق بنجومه الذهبية التي تمثل عدد أعضاء الاتحاد الـ 28.

وعند الساحة الخارجية للمبنى هناك مدخلان: الأول لجهة اليمين مخصص لدخول النواب والرسميين، والثاني إلى اليسار مخصص للزوار من صحافيين ومواطنين لهم حق حضور جلسات البرلمان والاستماع إلى مناقشات النواب، شرط الحصول على إذن مسبق. ويخضع الزوار لتدابير أمنية صارمة إلا أنها بالغة اللياقة والتهذيب.

يضم المبنى، إضافة إلى البرج الأحمر الداخلي، جناحين واحد لجهة الشرق وآخر لجهة الغرب، ويتشكلان من مثلثات ومربعات واسعة.

مقر البرلمان الأوروبي يثير حقاً الكثير من التساؤلات بقدر ما يبعث على الإعجاب. يخيل للوهلة الأولى أنه منشأة لم تنجز بعد، كما يشعر المشاهد من الخارج أنه بلورة كبيرة لها جناحان ومن دون طوابق ظاهرة. إنه فعلاً رائعة معمارية حديثة، يحمل العديد من أسرار ومظاهر أنماط فنية عابرة للتاريخ. ولاحقاً أشارت الدليلة التي رافقتنا في جولتنا مؤكدةً أن المبنى يعطي حقاً الانطباع بأنه مبنى غير مكتمل، وهذا ما قصده المخططون العباقرة للدلالة على أن أوروبا لم تكتمل بعد ووحدتها ما زالت منقوصة. والجناحان يمثلان أوروبا الشرقية وشقيقتها الغربية.

ومن المظاهر الأخرى الدالة على حذق التصميم أنه عند الانتقال من طابق إلى آخر، هناك المصاعد الكهربائية وهناك أدراج لولبية الشكل، إلا أن سرها يكمن بأن الشخص الصاعد أو النازل باستطاعته تلافي الالتقاء بشخص آخر لا يرغب بتحيته أو التحدث إليه.

كيف تطور البرلمان الأوروبي؟
عقد الاجتماع الأول لمجلس النواب الأوروبي، هكذا كان يسمى، في مدينة ستراسبورغ يوم 19 آذار (مارس) عام 1958، وكان الأعضاء في حينه يعينون من قبل حكومات بلادهم، شرط أن يكونوا في الأصل من بين النواب. التعديل الأبرز حصل إبان انعقاد مؤتمر باريس عام 1974، حين تقرر إجراء عملية اختيار النواب عبر الاقتراع المباشر من الشعب، على أن يتم تطبيق القرار لاحقاً، عند الاستحقاق النيابي المقبل.

إجراءات تعديل القوانين وسن تشريعات جديدة كانت تتم وفق تطور العلاقات الأوروبية، ومع تزايد عدد الدول المنضوية في الاتحاد. لقد أجريت أول عملية انتخاب مباشرة للنواب الأوروبيين وفي كل الدول الأعضاء بين 17-20 حزيران (يونيو) 1979، وانتخب السيدة سيمون فال وزير الصحة الفرنسية السابقة أول رئيسة له.

ومع تزايد عدد الدول تزايد عدد النواب، تحصل كل دولة على عدد من النواب يتناسب مع عدد سكانها. مثلاً ألمانيا 96، فرنسا 74، إيطاليا وبريطانيا 73 وقبرص باعتبارها من أصغر الدول كان نصيبها 6 نواب فقط.

عدد النواب الحالي هو 751 نائباً منتخباً. وتتم عملية الاقتراع كل خمس سنوات، ووفق نتائج عام 2014، نالت قوى اليمين، الوسط والديموقراطية حصة 216 نائباً وجاءت بعدها قوى اليسار والاشتراكيين بعدد 190 نائباً.

بموجب معاهدة لوكسمبورغ لعام 1970، عدلت صلاحيات البرلمان وتطورت، حيث نصت على إعطاء النواب دوراً في إقرار الموازنة المالية. كذلك تعززت الصلاحيات النيابية إثر تصديق معاهدة بروكسل عام 1975، إلى أن جاءت معاهدة ماسترخت التي كان لها الأثر في تعديل العديد من التشريعات، ما عزز سلطات البرلمان لجهة الموافقة النهائية على اختيار أعضاء المفوضية الأوروبية وحق مراقبة السلطة التنفيذية. ثم تبعتها معاهدة أمستردام التي أعطت البرلمان سلطة الشريك في التشريع إلى جانب المجلس الأوروبي، إضافة إلى حق اختيار رئيس المفوضية والرقابة على السلطة التنفيذية.

ذروة التطور جاءت إثر انتخابات 2014، فتوسعت صلاحيات البرلمان لتشمل سلطة التشريع ووضع الموازنة والرقابة السياسية وحق التشاور عند تأسيس المعاهدات، وفي عملية اختيار رئيس المفوضية أو إقصائه.

والجدير ذكره أن قرابة السبعين في المائة من التشريعات والقوانين الفرنسية، خصوصاً المتعلقة بالحياة اليومية للمواطنين، قد سبق وتم سنّها وإقرارها عبر البرلمان الأوروبي.

السلطة التشريعية الأوروبية تعقد سنوياً 12 عقداً تشريعياً، يدوم كل عقد بين ثلاثة وأربعة أيام. ويمكن أن تعقد اللجان المختلفة جلساتها إما في بروكسل أو لوكسمبورغ، إلا أن التصويت النهائي على مشاريع القرارات يجب أن يكون في ستراسبورغ.

إن التكتلات داخل البرلمان تتشكل وفق انتماءات النواب الفائزين في بلادهم. مثلاً كل النواب الذين فازوا في دولهم على لائحة الأحزاب الاشتراكية يمثلون الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي. وكل النواب الذين فازوا على لوائح الخضر يؤلفون كتلة واحدة في البرلمان المذكور، وذلك يشكل مصدراً للتقارب بين الأحزاب السياسية وبالتالي بين الشعوب الأوروبية.